الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

20

انوار الأصول

« الملازمات الحكمية » في ذيل دليل من الأدلّة الأربعة وهو دليل العقل ، لأنّ وجوب ذي المقدّمة مثلًا بأيّ طريق ثبت - سواء ثبت من خلال دليل لفظي أم لا - قابل للبحث عن أنّه هل يكون ملازماً لوجوب مقدّمته أو لا ؟ وهكذا الأمر والنهي - سواء ثبتا بدليل لفظي أو عقلي أو الإجماع - يدخل في مبحث اجتماع الأمر والنهي وإمكانه واستحالته ، وجميع مسائل الضدّ والترتّب والإجزاء أيضاً من هذا القبيل . ومن المعلوم أنّ تغيير البحث من ناحية الموضع يوجب تغيير شكل البحث أيضاً ، فلا يتمسّك أحد بذيل استدلالات من قبيل أنّ وجوب ذي المقدّمة لا يدلّ على وجوب المقدّمة بإحدى الدلالات الثلاث ، أو أنّ النهي لا يدلّ على الفساد بإحدى الدلالات الثلاث ، فما ذكره بعض أعلام المعاصرين من أنّ هذا التبديل المكاني لا يوجب تغيير ماهية البحث وجوهره قابل للمناقشة ، حيث إنّه من المعلوم حينئذ تغيير كيفية الاستدلالات أيضاً ، فإنّ البحث اللّفظي يطلب دلائل معينة ، والبحث العقلي يطلب دلائل أخرى . وأمّا ما يكون من سنخ القواعد الفقهيّة لا أصول الفقه « 1 » ولا الفقه نفسه فحيث إنّه لم يدوّن لها سابقاً علمٌ على حدة دخلت عدّة منها في الأصول ( كقاعدتي الفراغ والتجاوز وقاعدة اليد ولا ضرر والقرعة ) وعدّة أخرى منها في علم الفقه ( نظير قاعدة ما يضمن وما لا يضمن وقواعد أخرى من هذا القبيل ) وعدّة ثالثة منها المظنون عندي أنّها غير معنونة في ما نعرفه من الكتب الفقهيّة والاصوليّة بل استند الفقهاء إليها في تضاعيف المباحث الفقهيّة من دون تعرّض لشرح أدلّتها وشرائطها « 2 » . فتلخّص من جميع ما ذكرنا : أنّه لا بدّ من فذلكة جديدة في مباحث علم الأصول على

--> ( 1 ) والفرق بين المسائل الاصوليّة والقواعد الفقهيّة هو : أنّ المسائل الاصوليّة لا تشتمل على حكم شرعي خاصّ بل تقع دائماً في طريق استنباط الأحكام ، بخلاف القواعد الفقهيّة فإنّها مشتملة على حكم شرعي خاصّ كلّي مثل نفي الضرر أو وجوب الإعادة ( في قاعدة لا تعاد ) أو الطهارة ( في قاعدة الطهارة ) أو وجوب التقيّة ( في قاعدة التقيّة ) أو غير ذلك . كما أنّ الفرق بين هذه القواعد والمسائل الفقهيّة أيضاً واضحة ، فإنّ القواعد تشتمل على أحكام كلّية لا يمكن اعطاؤها بيد المقلّد لأنّ تطبيقها على مواردها وإحراز شرائطها من وظيفة الفقهاء ، بخلاف الأحكام الفقهيّة فإنّها أحكام خاصّة تُعطى بأيدي المقلّدين ، فهذا هو الفرق الأصيل بين هذه العلوم الثلاثة . ( 2 ) ولتوضيح أكثر في هذا المجال راجع كتابنا « القواعد الفقهيّة » .